جيل العزة

من أجل جيل يستعيدحق أمته فى الريادة.

انصر الحق ولو بكلمة

 

الأحد,شباط 10, 2008


التخصص الجامعي بين رغبة الأبناء وطاعة الآباء
[ 04/08/2007 - 12:00 ص ]
د. ماهر أحمد السوسي

<!--Start Article Content-->

دائماً عند ظهور نتائج الثانوية العامة ونجاح من نجح فيها، يكون هناك سؤال يطل برأسه باستمرار، هذا السؤال يجسد حقيقة العلاقة بين الأجيال أو طبيعة العلاقة بين الآباء والأبناء ويبين الصراع بين الرغبات، رغبة الأبناء الذين سهروا الليالي ينهلون من العلم بجد واجتهاد، ونصب أعينهم طموح في أن يصل بهم قطار العلم إلى الهدف المنشود !! مكانة اجتماعية راقية ومركز بين الناس مرموق، حيث يكون الطالب قد وضع نصب عينية تخصصاً ما يرنو إلى تحقيقه.

وفي المقابل الآباء والأمهات، الذين كان لهم نصيب كبير في حفيز أبنائهم على الدراسة والتحصيل، وكانوا يحملون في صدورهم مزيجاً من الرجاء والأمل حول مستقبل أبنائهم، وكل منهم يحلم أن يتبوأ ابنه مكانة في المجتمع.

وهنا وبعد النجاح، تتصارع هذه الرغبات، يعلن الابن أنه يرغب في تخصص ما، وتعلن الأم أن حلمها كان غير ما يرغب فيه ابنها، ثم يتقدم الأب في المقابل ويعلن هو الآخر عن رغبته، وقد تكون لا علاقة لها برغبة ابنه أو زوجته.

ويضطرب الجميع وعلى رأسهم هذا الطالب الذي يجب عليه أن يقرر مصير نفسه، وأن يرضي أبويه ولا يعصاهما، لأنه يعلم أن الله تعالى قد حرم عليه معصية أبويه، وقال له: "ولا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما ..." فماذا يفعل، ومن هو صاحب الحق في أن يقرر مصير الطالب هنا، هل هم الأهل أم الطالب نفسه، ولو اختار الطالب خلاف ما يريد أبواه هل يكون عاصياً ..؟؟

ولو أردنا أن نتعرف على حكم الشرع في هذه المسألة فإننا نقرر ما يلي:

أولاً: إن طاعة الوالدين فرض لا ينكره أحد، وهو يكاد يكون من البديهيات التي يسلم بها جميع المؤمنين بالله تعالى.

ثانياً: القاعدة الشرعية تنص على أنه "لا ضرر ولا ضرار"، وهذا يعني أنه لا يجوز لأحد على الإطلاق أن يتسبب بالضرر لغيره ولا حتى لنفسه، وأن كل فعل يؤدي إلى الإضرار بالغير فهو محرم شرعاً، بناء على القاعدة السابقة.

ثالثاً: إن الله تعالى قد خلق الناس متفاوتين في المدارك والعقول والأفكار، متفاوتين في القدرات الذهنية والعضلية، وإن كل إنسان مسخر لما خلق له كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هذا يقول الله تعالى: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ" ويقول تعالى: "َوَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ"، فهذان النصان يدلان على التمايز بين الناس في القدرات والمواهب، وأن كل إنسان بإمكانه أن يجيد في المجال الذي يتناسب مع إمكانياته وقدراته.

رابعاً: يكون الإنسان في حكم الشرع مسؤولاً عن تصرفاته إذا كان بالغاً عاقلاً رشيداً، والطالب الذي تجاوز الثانوية العامة يكون قد بلغ الثامنة عشرة من عمره، وبذلك يكون قد بلغ سنّ الرشد عند كل فقهاء الشريعة الإسلامية، وهو عند بعضهم يمكن أن يكون جداً لو تزوج في سن مبكرة، وعلى ذلك فإن شخصاً هذا حاله لا بد أن يكون قادراً على التمييز بين ما يضره وينفعه، ويكون قادراً على تحديد المجال الحياتي الذي يجيد فيه ويمكن أن يتخصص فيه، فهو من ناحية شرعية مسؤول مسؤولية تامة عن كل سلوكه وتصرفاته، وهذا يدل على إمكانية تعرفه على مصلحته.

خامساً: لا يمكن لأي إنسان ـ بحسب ما نشاهد في الواقع ـ أن ينجح في تخصص قد فرض عليه بواسطة الأهل أو بواسطة التنسيق الجامعي.

وبعد عرض هذه الحقائق كلها نسطيع القول إن الشرع الذي حرم معصية الأبناء للآباء، حرم على الآباء أيضاً الحاق الضرر والأذي بأبنائهم، وبناء على ذلك فإن على الآباء قبل أن يفرضوا على أبنائهم تخصصاً ما، أن يتعرفوا على إمكانيات هؤلاء الأبناء، وعلى طاقاتهم وقدراتهم ولا بد أن يتحققوا من رغبات أبنائهم، فلا يجوز شرعاً للآباء أن يقرروا لأبنائهم ما يلحق بهم الضرر والأذى، ولا يجوز للأب أن يفرض على ابنه دخول كلية جامعية يعلم الابن أنه لن يفلح فيها، بسبب أن إمكانياته لا تساعده على النجاح فيها، وفرضنا وجود مثل هذه الحالة، ولم يوفق الأبناء في دراستهم فإن الضرر هنا سيلحق الأبناء والآباء معاً، حيث يخسر الابن وقته وجهده ويتعثر مستقبله، ويخسر الأب ماله ومن سيعيله في المستقبل، حيث المفروض أن هذا الابن سيعيل أباه في مستقبل حياته عند ضعفه، فإذا ما كان هذا الابن فاشلاً فكيف يتصور أن يكون عائلاً لأبيه؟!

وبالمقابل فإنه (الابن) لا ينبغي له أن يخالف رغبة أبيه لمجرد المخالفة فقط، فإذا علم أن رغبة أبيه داخلة في حدود إمكانيته، وأنه قادر على تحقيقها، وأنها لا تتعارض مع مصلحته الحقيقة في شيء، فليس له بحال مخالفة أبويه.

وختاماً فإن الأمر قبل تقريره من قبل الجهتين يحتاج إلى نظرة موضوعية، بعيدة كل البعد عن المزاجية أو التقليد للغير أو التعسف في فرض الرأي، فكل هذه الصفات لا يرتب عليها الشرع أحكاماً ولاينظر إليها، ومن ذلك أن الشرع لم يقرر وجوب طاعة الآباء بطريقة عبثية، وأن الأب يطاع لمجرد مزاجه الشخصي، حتى وإن كان هذا المزاج ضاراً بابنه، وكذلك ليس للابن أن يعصي أباه لمجرد مزاجه الشخصي فقط، وحبذا لو كان الأمر مبنياً على التشاور بين الآباء والأبناء، والتناصح المبني على المنطق والمصلحة العامة لكلا الطرفين، وبذلك نتجاوز صراع الآباء والأبناء، وتتحقق مصلحة الجميع.
 
* كلية الشريعة والقانون - الجامعة الإسلامية
<!--End Article Content-->