<!--Start Article Content-->
يحلم الطفل بهاء سعدية بمنتزهات خضراء, وأن يكمل تعليمه ويعيش كباقي أطفال العالم، لكن سوء الحال والفاقة أجبرت جسده الغض الطري على العمل الشاق في مفترقات شوارع غزة لبيع بعض السلع، عله يعود ببضعة شواقل يقوت بها أسرته الفقيرة، ويساعد والده الذي فقد عمله في الخط الأخضر منذ عدة سنوات والذي بات عاجزاً عن توفير ما يحتاجونه".
مشاهد يندى لها الجبين لأطفال في عمر الزهور كتب عليهم ان يفنوا طفولتهم البريئة في أعمال شاقة تفوق طاقة أجسادهم الغضة، رصدتها صحيفة فلسطين في شوارع غزة.
إذلال ومهانة ولكن ...
بهاء الذي لم يتجاوز الأحد عشر عاماً يضع حقيبته المدرسية كل يوم عند الظهر في بيته عقب عودته من المدرسة، ويتناول ما تيسر له من الطعام المتوفر في البيت، سرعان ما يخرج ثانية إلى العمل في ميدان فلسطين "الساحة"، وسط مدينة غزة، وهو تجمع لمئات المواطنين على أمل ان يبيع ما لديه من سلع بسيطة .
وبينما ينتقل بهاء من سيارة إلى أخرى، وبين جموع المارة يتجمع حوله صبية أخرون يبيعون الحلوى أو بعض احتياجات المنزل البسيطة، وقال بهاء صاحب البشرة السمراء بجرأة لـ"فلسطين"، التي رافقته لدقائق في تجواله بين المارة "أنا أضطر للبيع هنا في زحمة المركبات وضوضاء الأصوات وتزمت المواطنين المرهقين من العمل، لأني بحاجة إلى نقود، فأبي عاطل عن العمل منذ 7 أعوام وكان المعيل الوحيد للبيت.
أنا لست متسولاً
وبدا الحزن والتأثر على ملامح وجه بهاء عندما أسمعته إحدى السيدات اللاتي ألح عليهن لشراء ما بحوزته كلمات نابية جرحت شعوره ، ولكن بهاء أصر على البيع والتجول على حساب كرامته الإنسانية قائلاً " إيش جابرك على المر إلا الأمر".
وقال: "رغم ان كثيراً من المواطنين يصنفونني ضمن الشحاذين ولكن لا يعلمو مدى احتياجي لكل شيقل من هذا البيع الذي يجعلني أشعر بأنني ذليل في طرقات غزة، وأمام أصحابي، ولكن للضرورة أحكام، ثم تركنا ليستأنف عمله في طرق نوافذ السيارات باحثاً عن من يشتري علبة علكة، أو نوعاً من أنواع الشيكولاتات والسكاكر.
الضحية مدرستي
تتنوع المهن التي تستقطب الأطفال، فمنهم من يبيع الحلوى و"الصحف اليومية" عند الإشارات الضوئية ومفترقات الطرق، وآخرون ينبطحون أرضاً بملابس متسخة بين الشحوم والزيوت في ورش لإصلاح السيارات، وهذا كله يأتي على حساب العملية التعليمية.
الطفل محمد من سكان بيت حانون يعقد العزم كل ليلة على ان يصحو مبكرا لكي يرافق أصدقائه إلى أحد مدارس الحي، ولكن ما إن يصحو وينظر إلى أسرته المكونة من 7 أشخاص، معظمهم أطفال، يودع أهله ويتجه نحو مفترق الجامعات، وهناك يفترش الأرض ببعض أوراق الصحف اليومية ليبيع بعض "المسليات" على طالبات الجامعات.
محمد أوضح أنه بائع متجول، وأنه لم يتمكن من الذهاب إلى المدرسة هذا العام بسسب عمله الذي تعود عليه منذ 3 اعوام، وقال محمد ابن 11 عاما: "كان أبي يعمل داخل (اسرائيل) وكان الحال ميسورا لكن الآن ليس لدينا نقود تكفي لشراء الدواء لأحد إخواني الذي يعاني مرض مزمن رافقه منذ الولادة، وهو بحاجة إلى مبلغ كبير لإجراء عملية له.
وأضاف أن والده لا يستطيع العمل لظروف صحية وانه يضحي بأغلى ما عنده وهو التعليم لكي يتمكن من مساعدة أهله, وتمنى محمد ان تعود الأوضاع إلى أحسن حال، وأن يفك الحصار عن غزة، لأن ذلك يساعد في انتعاش الوضع الاقتصادي مطالباً كافة المسئولين ان يتبنوا الأسر المحتاجة .
إحراج وشفقة
مها شراب طالبة بجامعة الأقصى، أوضحت بأن ظاهرة وجود الأطفال الباعة بالقرب من الجامعات يخلق نوعاً من الخجل والإحراج لدى كثير من الطالبات، لكن ذلك يصحبه شفقة على حال هؤلاء الأطفال.
وأضافت: "وما إن يرى الطفل الطالبة حتى يقوم بالتلويح لها بشيء في يده مقابل "نصف شيقل" وهذا يعمل إرباكاً لكثير من الطالبات بعد أن أصبحت عادة يمتاز بها عشرات الأطفال أمام الجامعات تحت حجة أنهم في ضائقة مالية أو أنهم يعيلون أسرهم", وأشارت إلى أن كثير من المبيعات لا تتناسب مع مطالب وحاجات الطالبات، ولكنها تفضل شراءه لكي ينصرف الطفل عنها بعد الإلحاح، مستخدماً كلمات ذات مدلول الحزن وهذا أثار شفقة الطالبات عليهم.
وأكدت ليس كل الأطفال هم بحاجة لمساعدة الغير، بل إن معظمهم متسولون وأصبحوا يتفننون في التسول، بحيث أصبح الواحد منهم يحصل على مبلغ الراتب الذي يحصل عليه الموظف وفي النهاية يقوم بإزهاقها في الدخان والمسليات ضاربين عرض الحائط بأسرهم الذين تسولوا من أجلهم.
مؤشرات وأرقام
وحسب مؤشرات الإحصاء الفلسطيني فإن 48% من الأطفال العاملين يرغبون في الدراسة دون العمل، وأنهم يعملون لأسباب قهرية ورغماً عنهم، ولكن الأرقام أظهرت أن نسبة 27% من عائلات الأطفال العاملين يقولون أنهم سيتضررون، وسيتدنى مستواهم المعيشي إذا توقف أبناؤهم عن العمل.
ظاهرة سلبية
عمالة الأطفال في الأراضي الفلسطينية هي ظاهرة شائعة بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وارتفاع نسبة البطالة في بعض الأحيان يكون المغزى والتبرير.
وقال عمر شعبان خبير اقتصادي لـ"فلسطين" بأن ظاهرة عمالة الأطفال هي ظاهرة سلبية، بدأ انتشارها بشكل أوسع خلال السنوات القليلة الماضية, وأضاف: "وبحسب الدراسات الحديثة من الأمم المتحدة ومؤسسات المجتمع المدني أظهرت أن ظاهرة العمالة هي ظاهرة حديثة، وأسبابه ليست اقتصادية بحته هناك عدة أسباب وراء انتشاره وخاصة في غزة، ومنها نفسية وأمنية ومجتمعيه والحظ الأكبر اقتصادية بسبب الأوضاع التي يعيشه القطاع، ولا سيما الحصار المفروض , وهذا ساعد على نمو الظاهرة، وأصبحت الأوضاع الحالية تربة خصبة لبروزها بشكل قوي وسريع.
آراء الأطفال غير مبررة
وأشار شعبان إلى أنه لا يجب الاعتماد على آراء الأطفال بخصوص سبب انتشارها، لأنهم يبررون أعمالهم بحجة أوضاع بيوتهم، وهذا أثر بشكل كبير على مستوى ثقافة المواطنين وهذا ساعد على انتشار حالات العصابات والسرقات وهي تتابع لهذه الظاهرة.
وأوضح شعبان بأن عدم وجود برامج تعليمية وتثقيفية وترفيهية للدولة عمل على وجود وقت فراغ كبير لهؤلاء الأطفال فيلجؤون إلى التسول أو البيع والعمل في كافة الأعمال ومنها الخطرة والتي حذر القانون من عمل الأطفال فيها.
وأكد شعبان على ضرورة أن يكون هؤلاء الأطفال تحت المراقبة من قبل جهاز الشرطة، والتحقيق في انتشارهم بالشوارع تحت حجة الأوضاع، لأن هناك كثير من الآباء يمكثون ببيوتهم وهم بصحة جيدة تحت ذريعة الحصار ويبعثون أولادهم إلى الشارع وحرموهم من حق التعليم وهذا أمر مخالف لكل المعايير والقوانين.
وطالب كافة المسئولين بضرورة وضع هذه الظاهرة وانتشارها على سلم أولويات أعمالهم، وخاصة المجلس التشريعي من خلال إصدار القوانين التي تمنع عمالة الأطفال دون سن الأحداث، لكي نتمكن من الحد من انتشارها ووضع خطط تؤهلهم وتمكنهم من الانخراط في مؤسسات المجتمع المدني.
<!--End Article Content-->كتبها أم عبد الرحمن في 09:52 صباحاً ::



الاسم: أم عبد الرحمن





















